أولئك هم الراشدون

أولئك هم الراشدون

خطبة الجمعة لفضيلة أمين فتوى طرابلس شيخ قرائها إمام وخطيب مسجد السلام الشيخ بلال بارودي

الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فهي وصية الله للأولين والآخرين، قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾.

أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

سورة الحجرات: سورة الأخلاق وبناء الأمة

إن سورة الحجرات من السور العظيمة التي ترسم للأمة معالم الأخلاق والقيم والهدايات، وتضع الأسس التي تقوم عليها العلاقات بين المؤمنين، وتبيّن كيف تُبنى الأمة على الإيمان والتثبت والعدل والتقوى.

ومن أعظم ما تؤكد عليه هذه السورة ضرورة التثبت من الأخبار، وعدم التسرع في نقلها أو تصديقها، قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.

إن هذه الآية الكريمة تؤسس لقاعدة عظيمة في حياة المسلمين، وهي أن الخبر لا يُقبل لمجرد أنه وصل إلينا، ولا يُصدَّق لمجرد أن ناقله قاله، بل لا بد من معرفة مصدره، والتحقق من صحته، والنظر في توقيته ومآلاته.

فالأمة الإسلامية أمة إسناد وتثبت، وليست أمة شائعات وأخبار متداولة بلا ضوابط. وقد علّمنا ديننا أن نتبين قبل أن نحكم، وأن نتثبت قبل أن ننقل، وأن ندرك أن الكلمة قد تظلم إنسانًا، أو تسيء إلى جماعة، أو تثير فتنة، أو تجرّ المجتمع إلى نتائج لا تُحمد عقباها.

ومن هنا تتضح خطورة الإعلام حين يقع في أيدي من لا يتقون الله في نقل الأخبار، أو حين تتحول الأخبار إلى أدوات لتوجيه الرأي العام والتأثير في إرادة الناس ومواقفهم، بدل أن تكون وسيلة لإظهار الحقيقة وخدمة المجتمع.

إن التسرع في قبول الأخبار، والانجرار وراء الشائعات، قد يؤديان إلى سلب الأمة قدرتها على التفكير السليم والمبادرة الواعية، ويجعلانها أسيرة لما يُراد لها أن تصدقه أو تتخذه من مواقف.

ولذلك جاء التحذير الإلهي واضحًا من عاقبة التسرع، حين قال سبحانه: ﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. فالندم قد يأتي بعد أن تكون الكلمة قد انتشرت، والسمعة قد تضررت، والفتنة قد وقعت، وحينها لا يكفي الاعتذار دائمًا لإصلاح ما أفسدته العجلة.

المرجعية النبوية وردّ الأمور إلى أصولها

ثم ينتقل بنا القرآن الكريم إلى معنى عظيم، وهو إدراك نعمة وجود الرسول صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين، قال الله تعالى:

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾.

إن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم من أعظم نعم الله على هذه الأمة، وقد امتنّ الله على المؤمنين بهذه النعمة فقال سبحانه:

﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.

فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن مجرد ناقل للوحي، بل كان المعلّم والمربّي والقائد الذي يردّ الناس إلى الحق، ويعلّمهم كيف يتعاملون مع الأحداث، وكيف يميزون بين الصواب والخطأ، وكيف يضبطون مواقفهم وفق هدي الله تعالى.

وعندما تردّ على الأمة الأخبار والأحداث، سواء تعلقت بالأمن أو الخوف، أو بالفرح أو الحزن، أو بما يثير القلق والاضطراب، فإن الواجب أن تُردّ الأمور إلى الله ورسوله، وأن يُرجع في فهمها إلى الوحي والهدي النبوي، وإلى أهل العلم والاختصاص وأولي الأمر فيما يدخل في صلاحياتهم، مع التمييز بين ما ثبت وما لم يثبت، وما عُلم وما يحتاج إلى استنباط.

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد انتقل إلى الرفيق الأعلى، فإن هديه لم يغب عن الأمة، وسنته محفوظة في مصادرها، ومواقفه وتعاليمه حاضرة لمن أراد أن يتعلم ويهتدي.

ومن الأخطاء التي يقع فيها الناس أن يجعلوا أهواء الجماهير أو رغبات الأكثرية معيارًا للحق، فيظنون أن ما يطلبه الناس لا بد أن يكون صوابًا، وأن ما تميل إليه النفوس ينبغي أن يُتبع.

لكن الله سبحانه وتعالى أعلم بما يصلح عباده، وأعلم بعواقب الأمور، ولذلك قال عز وجل:

﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾.

فليس كل ما يرغب فيه الناس خيرًا لهم، وليس كل ما يطالبون به محققًا لمصلحتهم. وقد تكون في بعض الرغبات عواقب مؤلمة، بينما يكون الخير في أمر لا تميل إليه النفوس ابتداءً.

ومن هنا كان لزامًا على المؤمن أن يزن المواقف بميزان الشرع والعقل والعلم، لا بميزان الانفعال والاندفاع، وأن يجعل الحق قائدًا له، لا أن يجعل رغبات الناس وأهواءهم هي التي تحدد له طريقه.

أولئك هم الراشدون: الإيمان الذي يسكن القلب

ومن أعظم آيات سورة الحجرات قول الله تعالى:

﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾.

تجمع هذه الآية الكريمة معالم الرشد والهداية في كلمات قليلة عظيمة المعنى. فالرشد ليس مجرد معرفة نظرية، ولا مجرد ادعاء الإيمان باللسان، وإنما هو حال يستقر في القلب، ويظهر أثره في السلوك والعمل والمواقف.

إن من أعظم نعم الله على العبد أن يحبّب إليه الإيمان، وأن يزيّنه في قلبه، حتى يصبح الإيمان محبوبًا إلى نفسه، وتصبح الطاعة قريبة من قلبه، ويجد في الخير راحة وطمأنينة، وفي ذكر الله أنسًا وسكينة.

فالإيمان ليس عبئًا على القلب، بل هو حياة له، وليس قيدًا يحول بين الإنسان والسعادة، بل هو الطريق إلى السعادة الحقيقية التي تقوم على معرفة الله ومحبته وطاعته.

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم حلاوة الإيمان في الحديث الشريف:

«ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحبَّ المرءَ لا يحبُّه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار».

إن حلاوة الإيمان نعمة عظيمة، تظهر في طمأنينة القلب بذكر الله، وفي محبة الطاعة، وفي الحرص على الخير، وفي شعور الإنسان بالراحة حين يعمل بما يرضي ربه.

وقد يوفق الله عبدًا إلى عمل صالح فيجد فيه انشراحًا وسكينة، ويجعل الطاعة محببة إلى قلبه، فيكون ذلك من فضل الله عليه، ومن دلائل توفيقه وهدايته.

ومن هنا نفهم أن الإيمان ليس مجرد مظاهر خارجية، بل هو نور في القلب ينعكس على السلوك، ويجعل الإنسان أكثر صدقًا وأمانة ورحمة وعدلًا وإحسانًا.

زينة المؤمن: التقوى وحسن الأخلاق

إن الله سبحانه وتعالى يزيّن قلوب عباده بالإيمان، وأبهى زينة يتجمل بها الإنسان هي زينة التقوى والعمل الصالح، قال تعالى:

﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾.

فالتقوى لباس معنوي يحفظ الإنسان من الانحراف، ويضبط تصرفاته، ويجعله يراقب الله في السر والعلن. وهي زينة لا تبلى، ولا تفقد قيمتها بتغير الظروف، ولا تتوقف على مال أو منصب أو جاه.

وإذا كان الناس يتزينون بما يظهر على أجسادهم، فإن المؤمن يتزين بما يستقر في قلبه من إيمان، وما يظهر في حياته من صدق وأمانة ووفاء ورحمة وتواضع وحسن معاملة.

إن جمال الإنسان الحقيقي لا يُقاس بمظهره وحده، بل بما يحمله قلبه من خير، وما تقدمه يداه من عمل صالح، وما يتركه في نفوس الآخرين من أثر طيب.

وكما يحبّب الله الإيمان إلى عباده، فإنه يكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان. وهذه الكراهية ليست مجرد موقف لفظي، بل هي نفور من كل ما يفسد القلب ويبعد الإنسان عن طاعة الله، وحرص على البقاء في طريق الاستقامة.

فالمؤمن الذي صفا قلبه بالإيمان لا يرضى أن يجعل المعصية أمرًا عاديًا في حياته، ولا يداهن في دينه على حساب الحق، بل يجاهد نفسه، ويحاسبها، ويسعى إلى إصلاحها كلما أخطأت أو قصّرت.

وهذا لا يعني أن المؤمن لا يخطئ، فالإنسان عرضة للضعف والتقصير، وإنما يعني أن الإيمان الحيّ يجعل صاحبه يكره المعصية، ويندم عليها، ويسعى إلى التوبة منها، ولا يتخذها منهجًا أو أمرًا يفتخر به.

وهكذا تتكامل معاني الآية الكريمة: محبة الإيمان، وتزيينه في القلب، وكراهية الكفر والفسوق والعصيان. ومن جمع هذه المعاني، وسعى إلى تحقيقها في حياته، فقد سلك سبيل الرشد والهداية.

ولذلك ختم الله الآية بقوله:

﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾.

فالراشدون هم الذين هداهم الله إلى معرفة الحق، وحبّب إليهم الإيمان، وزيّنه في قلوبهم، وكرّه إليهم ما يناقضه من الكفر والفسوق والعصيان.

وهذا المعنى يلتقي مع قوله تعالى في شأن من استجابوا للقرآن الكريم:

﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ۝ يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾.

فالقرآن يهدي إلى الرشد، والرشد ثمرة الإيمان والهداية، وليس مجرد لقب يدّعيه الإنسان لنفسه. وإنما هو طريق يسلكه المؤمن، ويظهر أثره في قلبه وأخلاقه وأعماله وعلاقته بربه وبالناس.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الراشدين، وأن يحبّب إلينا الإيمان ويزيّنه في قلوبنا، وأن يكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، وأن يثبتنا على الحق حتى نلقاه.

الخطبة الثانية: الصلاة على النبي والدعاء للأمة

الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بالصلاة والسلام على نبيه الكريم، فقال عز من قائل:

﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم اغفر لنا وارحمنا، وتب علينا، وأصلح أحوالنا، وأصلح أحوال المسلمين في كل مكان.

اللهم اهدِ شباب المسلمين ورجالهم ونساءهم وأبناءهم، وردّهم إليك ردًّا جميلًا، وحبّب إليهم الإيمان وزيّنه في قلوبهم، وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، واجعلهم من الراشدين.

اللهم وفّق علماءنا إلى قول الحق وبيانه، ووفّق ولاة أمورنا إلى الحكم بالحق والعدل، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، وذكّرنا منه ما نسينا، وعلّمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا.

اللهم اقضِ الديون عن المدينين، وفرّج كرب المكروبين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا وموتى المسلمين، وانصر المظلومين، وردّ الحقوق إلى أصحابها، وأصلح ذات بين المسلمين.

اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نُغتال من تحتنا.

اللهم احفظ لبنان وأهله، واحفظ بلاد المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم على البلاد والعباد الأمن والأمان، والسخاء والرخاء، والاستقرار والعافية.

اللهم ألّف بين قلوبنا، وأصلح أحوالنا، واجمع كلمتنا على الحق، واصرف عنا الفتن والشرور، ما علمنا منها وما لم نعلم.

اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك، ومن عبادك الصالحين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واجعل عاقبة أمورنا خيرًا، واختم لنا بالصالحات أعمالنا.

أستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

وأقم الصلاة.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *