معالم الأخلاق والتربية من سورة الحجرات (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا)
خطبة الجمعة من مسجد السلام لأمين فتوى طرابلس وشيخ قرَّائها الشيخ بلال بارودي: سورة الحجرات: معالم الأخلاق والتربية من سورة الحجرات (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا)
https://youtu.be/wl3-FcLF0w4
الخطبة الأولى
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
وأشهد أن لا إله إلا الله، الواحد الحق الملك، خالق كل شيء، الحي القيوم، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو العزيز الحكيم. له مقاليد السماوات والأرض، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، إنه بكل شيء عليم.
وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وعبد الله حتى أتاه اليقين. صلوات ربنا وتسليماته عليه، وعلى آله الأطهار، وصحابته الأخيار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
يقول ربكم جل في علاه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
ثم أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
التلازم بين الدين والأخلاق
عباد الله، أيها الأحباب الكرام المؤمنون..
لا نزال معكم في دوحة الأخلاق، مستظلين بظل سورة من سور القرآن رسمت لنا معالم الدين والأخلاق. والدين والأخلاق توأمان يسيران معاً صنوان لا ينفك أحدهما عن الآخر، فحيثما تجد الدين تجد الخلق، وحيثما تفقد الخلق تفقد الدين، ولذلك كان الدين هو الخلق.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
وهذه السورة التي نتفيأ ظلالها —سورة الحجرات— وضعت لنا الأصول والمعالم التي تتفرع منها كل الأمور الأخلاقية في شؤون الحياة:
بدأت بـ الادب مع الله
ثم ثنّت بـ الادب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وطاعة الله ورسوله هي سبيل النجاة؛ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾
وقد تعلم الصحابة والتابعون هذا الأدب العظيم مع النبي صلى الله عليه وسلم حياً وميتاً.
دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه المسجد فوجد رجلين يرفعان أصواتهما، فقال لهما: “لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟” فحرمته ميتاً كحرمته حياً.
النداء الثالث في سورة الحجرات: التثبت والتبيّن
ثم ننتقل إلى النداء الثالث في هذه السورة العظيمة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
هذا النداء موجه للأمة المؤمنة الممتدة عبر التاريخ إلى يوم القيامة، فكل مؤمن معنيٌّ بهذا الخطاب.
وفي مجتمعاتنا أصناف شتى من الناس: مؤمن مطيع، ومؤمن عاصٍ، وفاسق، وفاجر، ومنافق. والمؤمنون في مجتمعاتهم مطالبون بـ التثبت والتبين من الأخبار والأنباء، خصوصاً إذا كان طريقها غير آمن، فلا يُسلمون آذانهم لكل خبر، ولا يستفز مشاعرهم كل حدث، حتى لا تتداعى بهم أمواج الدعاية والإعلام المشبوه.
ولقد قُرِئت الآية بقراءتين متكاملتين: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ و ﴿فَتَثَبَّتُوا}؛ فلا يكون التثبت إلا بعد التبين.
سبب النزول والدروس التربوية
ورد في سبب نزول هذه الآية الكريمة أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق ليأتيه بالصدقات.
فلما خرج بنو المصطلق لاستقباله وترحيباً برسول النبي صلى الله عليه وسلم، ظنّ الوليد أنهم خرجوا لقتاله والامتناع عن الزكاة، فرجع وقال للنبي صلى الله عليه وسلم إنهم ارتدوا ومنعوا الزكاة!
فماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ لم يأخذ الخبر بظاهره، بل أرسل خالد بن الوليد رضي الله عنه سراً للتثبت والتبين، فوجدهم على أحسن حال، يُقيمون الصلاة ويُؤدون الزكاة.
هنا يعلمنا القرآن قواعد حفظ المجتمعات وصيانة الأذان من الشائعات والأخبار الكاذبة.
فلو أُخِذ بالخبر من غير تثبت لحدثت الفتنة ووقع الندم.
المرجعية وأهمية الانقياد لها
ثم يقول الله عز وجل:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾
أي أن المرجعية موجودة بينكم، يُصدر عنها ويُرَد إليها.
وأخطر ما يقع للمرجعيات على مر التاريخ أن تنساق وراء رغبات الجماهير وما يريده الناس، فالمرجعية إنما سميت مرجعية لأن عندها العلم والحل والشرعية.
فلو أطاعكم الرسول صلى الله عليه وسلم فيما تطلبون وتستعجلون لستُببت الفتن ولشرعتم فيما فيه العنت والمشقة عليكم.
أقول ما تسمعون واستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه..
الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيّه من خلقه وخليله.
عباد الله.. إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
اللهم وارضَ عن الخلفاء الراشدين، والصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.
اللهم اهدي شبابنا، ورجالنا، ونساءنا، وشاباتنا، وأبناءنا وبناتنا، واهدِ علماءنا لقول الحق، وولاة أمورنا للحكم بالحق.
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا يا ربنا من الراشدين.
اللهم لا تدع لنا في هذه الساعة المباركة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مظلوماً إلا نصرته وأيدته.
اللهم احفظ بلدنا هذا وسائر بلاد المسلمين، واجعل هذا البلد سخاءً رخاءً أمناً وأماناً برحمتك يا أرحم الراحمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.



