سورة الحُجُرات سورة الأخلاق

خطبة الجمعة من مسجد السلام لأمين فتوى طرابلس وشيخ قرَّائها الشيخ بلال بارودي ٢٥ أيلول ٢٠٢٦ بعنوان: سورة الحجرات سورة الأخلاق

ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور انفسنا وسيئات اعمالنا، من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا. ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور، واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، هو الله الملك الحق المبين، هو الله الحي القيوم، هو الله العزيز الحكيم، هو الله الرؤوف الرحيم، هو الله الملك القدوس، جل الله في علاه.
https://youtu.be/hbM2aNYuvYQ
واشهد ان محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة وادى الامانة ونصح الامة وعبد الله حتى اتاه اليقين، صلوات ربنا وتسليماته عليه وعلى اله الاطهار وصحابته الاخيار ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين.

​يقول ربكم جل جلاله: «يا ايها الذين امنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون»، «يا ايها الذين امنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم اعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما». ثم اما بعد، فان اصدق الحديث كلام الله تعالى، واحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الامور محدثاتها، وكل محدثه بدعه، وكل بدعه ضلاله، وكل ضلاله في النار.

​عباد الله ايها الاحباب الكرام، النبي صلى الله عليه وسلم قال عن نفسه: «انما بعثت لاتمم مكرم الاخلاق». وقال الله تعالى عنه: «وانك لعلى خلق عظيم». وقال الله تعالى عنه: «ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فاذا عزمت فتوكل على الله ان الله يحب المتوكلين».

​ايها الكرام، ستكون سلسلة خطبنا في هذه الفترة عن موضوع هام تناوله القران الكريم في عدة سور من سوره الكبيرة والعظيمة والجليلة، وهي العناية بالاخلاق. والاخلاق ليست الاخلاق المتصنعة التي تفرضها المجتمعات في تزلفات ومجاملات، انما الاخلاق التي تنبع من قلب سليم وعقل سليم ورشد ورشاد وفهم ووعي وحسن سلوك وححسن كلام. وكل هذه منبعها القلب، فما دام القلب سليما والعقل يحسن الفهم عن الله من خلال نصوص الايات والاحاديث النبوية فانه سيستقيم.

​الاخلاق ليست فكرا يحبسه الانسان ويجول فيه تاملا، انما الاخلاق ممارسات يعمل بها الانسان منهج حياة، فهي منهج حياته؛ فهو من خلال الاخلاق يحدد علاقته بربه، ويحدد علاقته بنبيه صلى الله عليه وسلم، ويحدد علاقته بمن حوله الابعد فالاقرب فالاقرب إلى أن يصل شعاع اخلاقه إلى الناس جميعا.

​لذلك امنا عائشة رضي الله تعالى عنها وعن ابيها عندما وصفت النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «كان قرانا يمشي على الارض، وكان خلقه القران»؛ أي هذا الذي نراه فيه صلى الله عليه وسلم منبعه القران، فتبسمه قران، وغضبه قران، وحركته قران، وسكونه قران، وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. لذلك المنبع الأساس الذي نغترف منه الاخلاق هو القران الكريم.

​وهناك سورة في كتاب الله تعالى سنقضي معها وقتا أي عدة خطب، اسمها سورة الاخلاق والتي تسمى في كتاب الله سورة الحجرات. هذه السورة حري أن يهتم بها المسلم لان فيها نداءات؛ ستة، خمس منها للمؤمنين وواحده منها للناس جميعا. وعندما الله تعالى يخاطب المؤمنين كما قال ابن مسعود وابن عباس: إذا سمعتم الله تعالى يقول يا ايها الذين امنوا فارع لها سمعك، فانه اما ان يكون خيرا تؤمر به أو شرا تنهى عنه. فعندما يقول الله تعالى في كتابه يا ايها الذين امنوا افتح قلبك وافتح مغاليق عقلك واستمع بانصاط وشهود وخشوع حتى تتلقى من الله ما يريده لك.

​وقبل أن نقف ينبغي أن نعلم كيف نستفيد من القران الكريم؛ أولا من شروط الانتفاع بالقران الكريم ايمانك العميق بانه كلام الله، ثم بعد ذلك استشعارك الدقيق ان الله تعالى يكلمك. فالقران ليس كتابا تاريخيا انتهى وقت تاليفه، انما انزله الله تعالى وحيا على مر الازمان، فهو كلام الله تعالى وليس كلاما بشريا، بل لو اجتمعت الانس والجن على ان ياتوا بمثل هذا القران لا ياتون بمثله.
​فالله يقول في هذه السورة: «يا ايها الذين امنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله ان الله سميع عليم». أول شيء ينبغي أن نصحح العلاقة فيه؛ العلاقة مع الله جل جلاله الذي خلق فسوى الذي قدر فهدى، المنعم الذي نزل من السماء ماء، فالتذكير بنعم الله تعالى يفتح قلب المؤمن تلقائيا للاوامر.

​فما دام الله أمر وما دام الله تعالى قال، فالله يقول الحق وهو يهدي السبيل. أول نداء للمؤمنين في هذه السورة: «لا تقدموا بين يدي الله ورسوله»، أي إياكم أن تجعلوا لانفسكم مرجعيه غير الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. فانتم ارتباطكم بالله ارتباط وثيق، فهو ربكم وهو الهكم وهو خالقكم وهو رازقكم. وعندما يامركم ويناديكم فانه ينبغي أن تستجيبوا، لما؟ لأنه باستجابتكم لاوامر الله فيه حياتكم وفيه امنكم وفيه هناؤكم وسعادتكم: «يا ايها الذين امنوا استجيبوا لله وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم».

​فيا ايها الذين امنوا اعرفوا مرجعيتكم من اين تصدرون وإلى اين تريدون، من اين تاتون باخباركم باحكامكم بشريعتكم بقوانينكم بمنهجكم بدستوركم؟ أيمكن أن تتخيلوا أن الله تعالى يخلق خلقه هكذا عبثا ثم لا يامرهم ولا ينهاهم ولا يدلهم على خير امورهم؟ «أحسب الانسان أن يترك سدى»، «أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم الينا لا ترجعون». قال ابن عباس: «أي يحسب الانسان أن يترك سدى بلا أمر ولا نهي».

​وعندما انزل الله ادم وزوجه من الجنة قال: «فاما ياتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى»؛ أي لا يضل أي أنه على هدى، ولا يشقى أي أنه في سعادة واطمئنان وحياة هنية طيبة. وعندما توقن أن عندك مرجعيات تامرك بخير وتنهاك عن الشر، فالله تعالى لا يامر بالفحشاء ولا بالمنكر إنما يامر بالعدل والقسط والاحسان وإيتاء ذي القربى.

​وفي قراءة متواترة كذلك «لا تقدموا» أي لا تتقدموا على الله تعالى بارائكم ولا باهوائكم ولا بقوانينكم، فالله تعالى أمر وحكم، قال الله تعالى في سورة يوسف: «إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه». والذي خلق الأمر له، والذي خلق الحكم له، فلا ينبغي أن يتقدم على حكم الله تعالى أي حكم. ولكن انتبهوا من هذه الشبهة التي أودت بفرق كثيرة إلى أن تصبح فرقا منحرفة عن المنهج القويم: كل ما توافق عليه الناس ما لم يخالف حكما شرعيا فهو أمر مقبول، أما ما يتوافق عليه الناس ويخالف حكما شرعيا فهذا الذي هو غير مقبول.

​وحتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم فانما امره من أمر الله، وطاعته من طاعة الله، وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

​«واتقوا الله»، اتقوا هذه الصلة التي بينكم وبين الله، اتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله، اتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه، اتقوا الله واعلموا أن الله سميع لكلماتكم عليم بنياتكم لا يخفى عليه شيء من أمركم لا سركم ولا جهركم. هذا الادب الأول: أن تححسن الادب مع الله بان تصغي إلى اوامره فتطيع وتنفذ، وأن تصغي إلى اوامر النبي صلى الله عليه وسلم فتنفذ وتمتثل، وهذه اول خطوة في الاداب. وما بعد ذلك كل شيء سهل، أما إن فقد هذا الادب الأول فلا يزن عند الله تعالى شيئا، فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا. الميزان دقيق جدا: «واتقوا الله واعلموا أن الله سميع عليم».

​اللهم اهدنا لاحسن الاخلاق والاعمال لا يهدي لاحسنها الا انت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها الا انت. اللهم استعملنا فيما يرضيك عنا، اللهم اعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهم انصرنا ولا تنصر علينا، وافرغ علينا صبرا وثبت اقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *