﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾
الآية 57:25 – قراءة حضارية
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾
مدخل
هذه الآية ليست آية وعظ،
ولا خطاباً روحياً مجرداً،
بل نصٌّ حضاري تأسيسي
يحدّد شروط قيام الاجتماع الإنساني العادل.
فهي تجمع بين:
- الرسالة
- والمعيار
- والقوة
ضمن نظام واحد متكامل.
أولاً: «أرسلنا رسلنا بالبيّنات»
البيّنات تعني:
- الوضوح
- والحجة
- وإقامة الدليل
فالأصل في الرسالة:
- الإقناع لا الإكراه
- والبيان لا الغموض
- والعقل قبل الاصطفاف
ثانياً: «وأنزلنا معهم الكتاب»
الكتاب:
- مرجعية مكتوبة
- معيار ثابت
- يمنع تحكّم الأهواء
وهو:
- لا يُلغِي العقل
- ولا يُستبدَل به
- بل يهديه ويضبطه
ثالثاً: «والميزان»
الميزان هو قلب الآية.
ليس:
- رمزاً
- ولا استعارة لغوية
بل:
- معيار الحكم على الوقائع
- وضابط العلاقة بين الحق والقوة
- وأداة إقامة العدل في الحياة العامة
ولهذا لم يُنزَل الميزان للرسل فقط،
بل:
ليقوم الناس بالقسط
أي أن حمله مسؤولية جماعية.
رابعاً: «ليقوم الناس بالقسط»
القسط:
- عدلٌ قابل للحياة
- يُمارَس في السوق
- وفي السياسة
- وفي القضاء
- وفي الاجتماع
ليس مثالاً نظرياً،
بل نظاماً عملياً.
خامساً: «وأنزلنا الحديد»
الحديد في الآية:
- ليس نقيض الميزان
- بل مكمله
فالقوة:
- ضرورية لحماية العدل
- لكنها خطيرة إن انفصلت عنه
ولهذا:
- يُقدَّم الميزان على الحديد
- ويُضبط الحديد بالكتاب والميزان
خلاصة حضارية
هذه الآية ترسم معادلة كاملة:
- رسالة تُقنع
- وكتاب يضبط
- وميزان يحكم
- وقوة تحمي
وأي مشروع:
- يفصل بين هذه العناصر
- أو يقدّم القوة على الميزان
- أو يرفع الخطاب دون معيار
فهو مشروع مختلّ مهما حسنت نواياه.
لماذا هذه القراءة اليوم؟
لأن عالمنا:
- يملك قوة بلا ميزان
- وخطاباً بلا كتاب
- ونزاعات بلا قسط
والعودة إلى هذه الآية،
ليست عودة إلى الماضي،
بل استعادة لمعادلة الخلل المعاصر.
ختام
الميزان في هذه الآية:
- ليس ملكاً لفئة
- ولا شعاراً دينياً
- ولا أداة إدانة
بل:
شرط قيام الناس بالقسط،
وأمانة لا تستقيم الحياة العامة بدونها.